السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الإسلام دين عالمي، يدعو اتباعه إلي العقيدة السمحة والعبادة الميسرة، والمعاملات العادلة، والاخلاق الفاضلة، ومنهاج الدعوة الإسلامية، يقوم علي الوسطية، فلا حرج ولا مشقة، بل تتسم دعوة الإسلام بالتيسير وعدم التعسير، وبالرفق وعدم العنف فالرحمة جوهر رسالته، والوسطية منهج دعوته وهي تعني الاعتدال في الامور كلها دون افراط ولا تفريط.. ومفهوم الوسطية: يتحدد مفهوم الوسطية ببيان معناها اللغوي، ومعناها الاصطلاحي: فأما المعني اللغوي: فوسط الشيء هو ما بين طرفيه واما المعني الاصطلاحي: فالمراد بالوسطية: التوازن والتعادل بين الطرفين، بحيث لا يطغي طرف علي آخر فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير، وإنما اتباع للأفضل والأعدل، والأجود والأكمل، ولا نريد بالوسطية أن يكون الانسان في درجة المتوسط في عبادته أو عمله أو سلوكه، ولا أن يكون متوسط العلم أو العمل أو السعي أو الخلق، بمعني أنه لا يكون متقدما ممتازا في هذه الأمور بل نريد بالوسطية الأجود والأفضل، والأكمل والأعدل، وخير الأمور أوسطها أي أعدلها. قال الله تعالي: 'وكذلك جعلناكم أمة وسطا' سورة البقرة آية (143)، أي عدولا خيارا. وقال تعالي: 'فوسطن به جمعا' سورة العاديات آية(5). اي تتوسط الصفوف في المعركة.. وقال جل شأنه: 'قال أوسطهم ألم اقل لكم لولا تسبحون' سورة القلم (28). وقال سبحانه: 'حافظوا علي الصلوات والصلاة الوسطي' سورة البقرة (238). ووسطية الأمة: لقد وصف القرآن الكريم الأمة الإسلامية بأنها الأمة الوسط فقال سبحانه 'وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا' سورة البقرة (143). والأمة الوسط: الخيار والأجود لما أنعم الله علي هذه الأمة بنعمة الوسطية فكانت خير الأمم، خصها سبحانه وتعالي بأكمل الشرائع واوضح مناهج وايسر التكاليف واوضحها، كما قال سبحانه: 'هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء علي الناس'. سورة الحج (78).
فيما رواه الإمام أحمد بسنده عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: يدعي نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول : نعم ، فيدعي قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، قال: فذلك قوله: 'وكذلك جعلناكم أمة وسطا' قال: والوسط: 'العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم اشهد عليكم' رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق الاعمش. وعن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: 'يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان واكثر من ذلك فيدعي قومه فيقال: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال : من يشهد لك؟ فيقول: محمد وامته، فيدعي محمد وامته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم ، فيقال: من أعلمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا ان الرسل ابلغوا، فذلك قوله عز وجل: 'وكذلك جعلناكم أمة وسطا'.
وقد اختار الله تعالي مكانة رسالة الإسلام وموقع الصلاة ومهبط الوحي هذا المكان الوسط الذي يتسق مع وسطية الدعوة السمحة، ويتناسب مع الرسالة العامة الخالدة، لترسل اشعة النور والهداية إلي من حولها من جميع بقاع العالم.
وهكذا اقتضت الحكمة الربانية ان يكون المكان وسطا في جغرافية الارض، لتتمكن الدعوة ان تنتشر في ربوع الارض، وتؤدي امة الإسلام امانة التبليغ التي حملها الله تعالي إياها حيث نزل الوحي قرآنا وسنة بلسان عربي مبين، وفي امة عربية، وفي مكان وسط من العالم.. كل هذا يؤكد وجوب تبليغ الامانة التي كلف الله تعالي هذه الامة بها، وشرفها بانزال الوحي علي ارضها وارسال رسول من انفسهم وقيام القبلة الكعبة المشرفة في هذا المكان الطاهر والحرم الآمن في قلب العالم.
هكذا تتضح الحكمة من نزول الوحي الالهي في البلد الحرام والقبلة المشرفة داخل المسجد الحرام، فمكة المكرمة هي مركز الكرة الأرضية ووسط العالم بأسره.. قوله تعالي: 'وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس' يحدد لهذه الامة دورها في النهوض بالبشرية ورسالتها في قيادة القافلة الانسانية، فبذلك تتبوأ مكانتها كخير أمة أخرجت للناس، شاء الله لها ان تكون أمينة علي رسالة السماء، وشاهدة علي الناس.
وحين تتخلي عن هذه الرسالة، أو حين تخل بواجبها تكون، قد حرمت نفسها من خيرتيها، ومن كونها الأمة الوسط وتكون قد فقدت كيانها المعنوي ودورها الريادي بين الأمم.
ويستوجب القرآن علي هذه الأمة عبادة الله والجهاد في سبيل الله حق جهاده، لأنه اختارهم و اصطفاهم علي سائر الأمم وكلفهم بشريعة لا حرج فيها ولا مشقة ولا ضيق ولا عسر، إنها الحنيفية السمحة، ملة إبراهيم عليه السلام، وقد سماهم الله المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي هذا أي القرآن الكريم، قال الله تعالي: 'يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء علي الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولي ونعم النصير' سورة الحج (77)، (78). وسطية الزمان: لم تأت رسالة الإسلام في اول تاريخ البشرية، ولا في آخره بل جاءت في الوسط، لتكون مصدقة ومهيمنة، وشاهدة وحارسة لما سبق من الكتب والشرائع، تقر الحق، وتظهر خطأ ما حدث من تحريف.. قال تعالي: 'وانزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه'. سورة المائدة (48) .. وإذا كانت الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع إلا انها لم تكن آخر عمر الدنيا، فقد مكثت حتي الآن اكثر من اربعة عشر قرنا، واقعة في وسط الزمن، جردت الانسانية من الاوهام والأباطيل، وكان عصرها خير العصور واحسنها وأفضلها، حيث بلغت البشرية دور النضج والرشد.
وسطية الزمان تتجلي في طرح ما علق بالانسانية من عهود قديمة ساد فيها قانون الغاب، وكانت الغلبة للأقوي كما تتجلي ايضا في القضاء علي الخرافات والاوهام التي سادت قرونا عديدة.
وعلي هذه الأمة التي جعلها الله خير أمة اخرجت للناس في خير زمان وارسل إليها خير الرسل وانزل عليها احسن الحديث واعظم الكتب عليها ان تضطلع برسالتها حيث نزل الوحي الالهي بلغتها وعلي أرضها وارسل الله إليها رسولا من انفسها.. 'ولقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم' سورة التوبة (128).